محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
243
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
حالا ، وأصوب مقالا وفعالا ، ويفوّض جميع أموره إليه ، ويعتمد إشارته في كلّ ما يشير به عليه . وعلامة إنصافه : وجود اتهامه لنفسه ، وعدم اعتماده على عقله وحدسه ، ومن لم يكن منصفا فالكلام معه هذيان فاسد ، وضرب في حديد بارد ، وسيأتي مزيد تنبيه على غرور الآخذين في العلم في موضع أليق من هذا . من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات ، والتكاسل عن القيام بالواجبات . هذه من الصور التي يتبين بها خفّة الباطل وثقل الحقّ على النّفس . وما ذكره هو حال أكثر الناس ؛ فترى الواحد منهم إذا عقد التوبة لا همّة له إلا في نوافل الصيام والقيام ، وتكرار المشي إلى بيت اللّه الحرام ، وما أشبه ذلك من النوافل . وهو مع ذلك غير متدارك لما فرّط فيه من الواجبات ، ولا متحمل لما لزم ذمته من الظلامات والتبعات ، وما ذاك إلا لأنهم لم يشتغلوا برياضة نفوسهم التي خدّعهم ، ولم يحلفوا بمجاهدة أهوائهم التي استرقتهم وملكتهم ، ولو أخذوا في ذلك لكان لهم فيه أعظم شغل ، ولم يجدوا فسحة لشيء من التطوّعات والنفل قال بعض العلماء : « من كانت الفضائل أهمّ إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع » . وقال محمد بن أبي الورد ، رضي اللّه عنه : « هلاك الناس في حرفتين : اشتغال بنافلة وتضييع فريضة ، وعمل بالجوارح بلا مواطأة القلب عليه ، وإنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول » . وقال الخوّاص ، رضي اللّه عنه : « انقطع الخلق عن اللّه بخصلتين ؛ إحداهما : أنهم طلبوا النوافل وضيّعوا الفرائض ، والثانية : أنهم عملوا أعمالا بالظاهر ، ولم يأخذوا أنفسهم بالصدق فيها والنصح لها ، وأبى اللّه أن يقبل من عامل عملا إلّا بالصدق وإصابة الحق » . قال الشيخ أبو طالب المكي ، رضي اللّه عنه : « فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ، ووقوفه على حدّه ، وإحكامه لحالته التي أقيم فيها ، وابتداؤه بالعمل بما افترص عليه بعد اجتنابه لما نهى عنه بعلم يرشده في جميع ذلك ، وورع يحجزه عن الهوى في ذلك ، ولا يشتغل بطلب نفل حتى يفرغ من فرض ؛ لأن النفل لا يصح إلا بعد حوز السلامة ، كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حوز رأس المال ، فمتى تعذرت عليه السلامة كان من الفضل أبعد ، وإلى الاغترار أقرب » ا ه . قيد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف « 1 » ، ووسع عليك
--> ( 1 ) التسويف : المطل والتأخير .